الحريه للدكتور/ مصطفي محمود
اذا كنت رجلا خرافيا مثل السندبادالبحري .. تعيش وحدك في جزائر واق الواق ... فان حريتك لن تكون مشكله .. سوف تكون وحدك ...لن يكون هناك صوت الي جوار صوتك ...ولا حريه تزاحم حريتك ..وحدك مثل الحصان الذي يجري في حلبه السسباق منفردا فيطلع الاول لانه لايوجد هناك ثان
لن تكون في حاجه الي نظام .. سوف تضع قوانينك لحظه بلحظه حسب مقتضيات مزاجك ورغبتك ثم تلغيها متي تشاء
سوف تخلع عريانا ثم تتشمس بلا خجل سوف ترفع عقيرتك بالصياح والغناء بدون ان تشعر بالحرج .. فلا احد هناك يطل عليك او يسمعك .. لن تعرف شيئا اسمه عيب ..
وعيب ليه ؟
وبالنسبه لمن وكل شئ منسوب لك وحدك !!
من الذي تخشاه وتحسب حسابه ؟
لا احد
لا واجبات عليك نحو احد .. ولا حقوق لك عند احد : مهما سرقت لن تكون سارق .. ومهما احرقت لن تكون متعديا .. ومهما فعلت لن يكون لافعالك تعقيب ولا مراجعه ..
انت وحدك ..
ولكن الامر يتغير تمام حينما تكون واحدا من إلوف مثلك يتعايشون معا في مجتمع كل واحد حر.. وكل واحد يريد.. وكل واحد يحلم .. وكل واحد يرغب
سوف تصبح حريتك محاصره بحريات الاخرين .. ورغباتك ممحاصره برغبات الاخرين .. وستجد نفسك في حرب لا خلاص منها الا بعقد اتفاق .. وتاسيس شركه اجنماعيه ..وتنظيم علاقات .. وفرض واجبات وانشاء حقوق .. وعيب .. واصول .. ويليق ولا يليق .
وهذه أ,ب اشتراكيه
انها عمليه القسمه الضروريه لانشاء مجتمع .
ان حريه السندباد البحري لا تنفع في مجتمع .انها مثل حريه السائق الذي يخترق علامات المرور ولا يلتفت للاشارات ويسير علي هواه كانه يسير في غابه .. وهي حريه نهايتها الهلاك .
اما الحريه الوحيده الممكنه فهي الحريه التي تتم بناء علي تخطيط وتقسيم وتنظيم
الفلاح يوفر لك القمح والطحان يطحنه . والخباز يصنع منه خبز .. والطابونه توصله اليك .. وفي مقابل هذا تكتب مقالات وتؤلف كتب .. او تفتح عيادات وتعالج المرضي .. والحكومه تدخل لك النور والمياه وتنقل لك البريد فتدفع لها ضرائب .. وتتطوع للجيش .
شركه مساهمه يدخل فيها كل واحد بقسط .. وفائض الارباح يتحول الي مزيد من الحريه للمجتمع .
كل ما يصنعه الغير تجده في خدمتك وتحت تصرفك .. لو انك فكرت الان في السفر الي المانيا فانك سوف تجد تحت تصرفك طائرات .. وسكك حديديه سريعه وبواخر .
وستجد انك اكثر حريه .. واكثر قدره علي بلوغ رغباتك من ايام زمان .. ايام ماكان اجدادك يسافرون علي اقدامهم وستجد انك تملكك الاف الادوات رهن اشارتك .
وراء هذه الحريه التي تتمتع بها دون ان تشعر تختفي جهود الملايين جهود العلماء والمفكرين والاقتصاديين الذين صنعوا الطائره والقاطره والسفينه والاقساط التي دفعها اجدادك من حريتهم .
انت تجني ارباح الشركه المساهمه التي اسمها المجتمع .. وتكسب اضعاف الاقساط التي دفعتها الانسانيه علي مدي التاريخ .
انت وارث شرعي للحضاره والمدنيه والعلم وكل ما يطالبك به المجتمع في مقابل هذا الميراث العظيم هو قسط رمزي من حريتك ..
ومع هذا فانت تصرخ من هذا القيد البسيط .. وتنسي هذه البحبوحه من الحريه والمتعه التي تكسبها في مقابله .. لانك سندباد ..مازلت تفكر بعقليه بدائيه
والراسمالي الذي يرفض ان يساهم في بناء مجتمع بقسط من ثروته سندباد يفكر بعقليه الغابه .. ويظن انه يعيش وحده .
والحل الوحيد الذي يلجاء اليه المجتمع ليرد هذه المخلوقات البدائيه الي عقولها .. ان يعاملها بالمثل .. ان يقطع عنها خدمات الخباز والعامل والفلاح ويقطع عنها النور والماء ويعيدها الي الغابه لتعيش بين الثعابين والوحوش وتبيت وحيده علي شواطئ المستنقعات .. كما كان يفعل السندباد .. وتجرب حريته الخرافيه .
اعزائي القراء لقد اخترت هذا المقال في هذا التوقيت لما وجدت فيها ما يرشد وجدت فيه عقل المفكر ووجدت فيه ادبيات الفنان وايضا وجدت فيه البساطه البلاغيه .
رحمه الله علي الدكتور مصطفي محمود
نسالكم الفاتحه له ولجميع مواتنا
